العودة إلى مرايا (مقالات عن أعمالي)

مقالة

الوقت يسدد نحوي طلقة الحياة – قراءة في نص ” لقاء ” – عبدالله السفر

الوقت يسدد نحوي طلقة الحياة – قراءة في نص ” لقاء ” – عبدالله السفر

بعضُ الحكاياتِ التي عشناها نظنُّ أننا تركناها خلفنا في عهدة الزمن وعهدة الحنين؛ مطويّةً في أخاديد الذاكرة، ولا ندري أنّها يرقةٌ تتغذّى في العتمة ببطءِ حتّى تشطأ الأجنحة. إنّها الفمُ المعقودُ بالصمت تتصرّمُ خيوطَهُ المحكمة خيطاً خيطاً حتّى تبرِغَ الكلمة. ما نخالَهُ حكايةً غادرناها وأسلمنا خطواتِنا للطريق دون أن نعلمَ بأننا تركنا أثراً غائراً يصلحُ للتتبّع والموافاة عند أيّ منعطفي؛ أثراً مواتياً تنسلّ منه الحكايةُ ثانيةً تعلنُ العودةَ مضروبةً بعصبِ الحياة يرجُّ الجسدَ والعاطفةَ؛ يعيدُهما إلى اللحظةِ نفسها كما لو أنّ الكيانَ الذي نحملُهُ ظلّ مفغوراً؛ ناقصاً ويشتهي أن يلتحمٍ بحكايتِهِ من جديد ويستدركَ حصّتَهُ من الحياة. الحكايةُ التي تعثّرتْ، واحتُجزَتْ زمناً طويلاً؛ تقاوِمُ وتعودُ فتيّةَ تسبقُ وتستبقُ؛ تنالٌ حظها بقوّةٍ وتستوفي مكيالَها مضاعفاً وراعفاً على الشاكلة التي نلفيها في نصّ الشاعر محمد خضر "الوقت يسدّدُ نحوي طلقةً الحياة" المنشور على صفحته في الفيسبوك، حيث التوثّر والكثافة يأتيانٍ من حالةٍ شعريّةٍ باسقة تتمدّدُ مشهديّاً في عينٍ ولسانٍ الذات الشاعرة المتكلّمة. "أخيراً" مهمازُ يضربُ خاصرةَ السنين؛ جرسٌ يعلنُ القدوم؛ يدٌ تتشبّثُ وتلحقُ بموعدٍ صحّحَهُ الكنزُ الغافي الذي لا يزالٍ على حالِهِ من الانتظارِ والترقّب لشهوةِ الركض توصِل وتَرِدُ. "أخيراً" حفرُ يتلقّى الرّدْمَ ويزيَلُ الغبشَ في حركةٍ داخليةِ وخارجيّة؛ تتناوبان وتتداخلان في إيقاع سلس يمضي لرثقٍ فتوقٍ ولإرواء شجرةٍ طالما عصفَ بها العطشَّ وتضوّرتْ لعابِرين يستعيدان حكايتَهما تحتَ ظل لم يُمنَح لغيرهما. "أخيراً" شاشةُ ضوئيّة تنظِمُ في تسارعِ العُمرَ والموقعَ والعاطفةَ؛ هبّاتٍ متقطّعةً لكنها في احتشادٍ وتقارب.. تقول في كثافتها ما يصنعُهُ اللقاءُ من نحيين يتجاوزُ ناهضاً من الغمرة ومن النسيان ومن الفوات. تلك طلقة التنبيه إلى استئنافِ الحياةِ بعيون الدهشةِ المغسولة ودفءِ النظرة؛ بما يعيدُ الاتزانَ، وتصحيحَ المسافةِ الغارقة في زمن الحنين الذي آنَ وقتُ مغالبتِهِ والانتصارُ عليه بالحضور الحيّ

ورعشتِهِ ينسكبٌ راهناً من يدينِ مسكونتيْنِ بسرّ الحياة تنشرُه-

هاتان اليدان - شأنَ شجرةٍ لوزٍ كازتزاكيسية تقدّمَ دليلَها المورِق ينبعثُ عفيّاً جَذِلا، يؤكّدُ القدَرَ ناسجاً خيوطَ العودة في نُضرةٍ لها البهاءُ الأوّل ونُدَى العشبِ القديم، كأنّ جداراً لم يكن، كأنّ مسافةً لم تقم. تصعيدٌ وترتيبْ، تكثيفٌ واختزال، إحاطةٌ تأخذ المشهدَ في حومةِ انفعالاتٍ لا تنفكَ عنها، حالةٌ أقربُ إلى انتقام يريدُ أن يجبَّ ما فاتَهُ في ضربةٍ واحدةٍ تلخّصُ في احتدامِها الملتهب وضرواتِها الغزيرة يقينَ العودةِ، ودفعَ شكوكٍ طارئة تُقرَصُ بشدّةٍ ليذوبَ معها التوهّمُ ويعلوَ برهانُ العودة ب "كفّينِ متشابكتيْن".

الوقت يسدّد نحوي طلقةَ الحياة - محمد خضر أخيراً كان علينا أن نختصرَ كلَّ هذه السنواتِ في ركنٍ صغير.. كان على الوقتِ أن يسدّد نحوي طلقةَ الحياة .. كانَ على الدهشةِ أن تكونَ على الهواءِ مباشرةً أخيراً عرفنا أنّ المسافةَ نسبيّةٌ جداً ..أنّ الطاولةَ التي بيننا قد تعادلُ أن تكوني في أخرِ العالم.. لكنّا هزمنا الحنينَ وبخدش واضحٍ في الوجه .. عرفتُ سرَّ يديك ودمغتَها الفارقةَ على الأشياء كيف تلمسُ كالحواة وتُخرِجُ العبارةَ الحيّةَ من العبارةِ الميّتة أخيراً - لو لاحظتِ - كانت الحياةُ تصفّقُ لنا بصخبٍ وحماس حتى أنّ النادلَ استدارَ فجأةً وكان يغبطُ فنجانَ القهوةِ الذي طالما كان جامداً وحيادياً أخيراً نجحَ المخرجُ في أن يجمعنا مع (...) في صورةٍ ملوّنةٍ واحدة أنْ يبدأ القصّةَ كما يجب ومِن زاويةٍ حانية خصوصاً وأنتِ تتذكرين كيف ابتدانا كتابةَ الرسائل من درجةِ الصفر.. كيف قاتلنا من أجلٍ حفنةِ هواء لم أكن منتبهاً تماماً كنتُ أقرصُ المسافاتِ لأتاكّدَ من موتِها.. أختزلُ اللحظةَ وأحاولُ جمْعَها في عبارةٍ دارجةٍ بلهجتِكِ المحليَّة.. كنتُ هناكَ أمامَ هذه التي طالما حَفظتَنِي عن ظهر قلب! بكفّيْنِ متشابكتينِ نكالا بالحياة المهدرة!