
جزء من دراسة تحت عنوان قصيدة النشر محمد خضر وعيد الخميسي
الوعي الانشطاري والأزمنة الحديثة عند محمد خضر الغامدي:
دكتور عادل ضرغام
إذا تأملنا نماذج عديدة من شعرنا المعاصر , وشعر قصيدة النثر بصفة خاصة , سنجد أن الوعي الذي يتجلي من خلال هذه القصائد وعي انشطاري , يجمع الأشياء دون رابطة ظاهرية واضحة في إطار سياق دلالي واحد , ووجود هذا الوعي الانشطاري مرتبط ـ أساسا -بطبيعة اللحظة الحضارية التي نحياها , فنحن في لهاث دائم , لرصد العالم من وجوهه المختلفة والمتناقضة , وأي محاولة منطقية لفهم العالم الفردي والجماعي محكوم عليها بالفشل والاستحالة , ومن ثم فوجود هذا الوعي يكاد يكون مبررا استنادا للحظة حضارية خاصة .
يتجلي هذا الوعي بشكل لافت في ديوان محمد خضر الغامدي ( صندوق أقل من الضياع ) , خاصة في قصيدة( حديث البلكونة ):
لطالما حدثتها عن البلكونه
وعن أفلام الآكشن المصرية
عن دفاتري وأقلامي وحجرة
الكمبيوتر
جاك دريدا ـ الإمام النفري
الجريدة ـ وبيتر جونسون
الموت والدفء
فالثنائيات المقدمة في الجزء السابق لا رابط بينها علي المستوي الظاهري الواضح , ولكن جمعها في سياق واحد , بالإضافة إلي جزئيات عديدة مثل الحديث عن عبد العزيز مشري أو ميلان كونديرا أو العولمة أو الكونيالية , يشير إلي جزئية مهمة ترتبط بالإنسان المعاصر ووعيه المنفتح علي آفاق عديدة , مشدود إلي إدراكها .
هذا الوعي المتعدد الطبقات والاتجاهات أثر تأثيرا كبيرا في شعرية محمد خضر الغامدي , وفي بناء الصورة الشعرية لديه , فالصورة لا تبني علي منطق واقعي , وإنما تبني في إطار منطق خاص , ففي قصيدة ( أرق ) :
يسقط النعاس
في معركته الأخيرة
شرشف متجعد آخر السرير
وحليب الصباح المتثاءب
يقفز في حلقي
بدون تبريرات واقعية
أشعل سيجارة
وأراقب عصفوره تتمطي
فالصورة في هذه القصيدة صورة تكوينية ترتبط بالذات ,بأفقها المغلق والمطبق لحظة الصباح , وللخروج من هذا الأفق المطبق , الذي تشكل من صور مجهرية فاعلة بداية من المجاهدة للالتحام بالواقع بفعل الصحو, ومرورا بحليب الصباح الذي يقفز في الحلق ,نجد أن حركة المعني تنتهج فعل المراقبة بعيدا عن أفق الذات , وكأن فعل المراقبة يضع قشرة رهيفة علي السأم المنفتح وكأنه ـ أيضا ـ يمثل أفقا للضياء .
إن هذا الوعي الخاص الذي أثر علي أن تكون الصورة الشعرية لدي محمد خضر الغامدي تكوينية من بنيات صغري أو مجهرية, كان له حضور خاص في توجيه شعرية الديوان إلي جزئيات خافته لصيقه بأزمة الإنسان المعاصر , وهذه الجزئيات الخافته لا يمكن إدراكها بسهولة , لأنها تحتاج إلي وعي شبيه , بوعي الشاعر, حتي تتم معاينة حركة المعني ونموها في أفق خاص, ففي قصيدة تشرد :
بلا هوادة
كأي شخص وجد أهليته
استرخي آخر أضلاع الليل
اقرأ وجه التشابه
غربة تشعل الصهيل
مساء مشرد نتقاسمه
تتواطأ المدينة مع بغية الريح
وتزرعنا في الشتات.
فالمتلقي لا يستطيع أن يلم بأطراف المعني , إلا إذا استحضر ( المساء ) , وما يوجده للسارد الفعلي للنص من توحد مع الذات , ومن مساءلة خاصة , تفصح عن تشابه السابق والآني والقادم , ومن ثم تأتي الغربة فاعلة , بعد معاينة الفرق الواضح بين المتحقق والمتخيل , وثمة جزئية في النص السابق , تشير إلي تعامل خاص مع عنصر من العناصر الأساسية للوجود , وهو الهواء , من خلال الريح , فالقارئ للديوان يدرك أن الشاعر علي مدي صفحات الديوان أسس رمزية خاصة للريح , فالريح في القصيدة وسيلة أساسية للشتات والعراء , وهي التي تحمل السارد الفعلي في النص وتحركه ـ وهو تحرك ثابت في المكان ـ إلي فضاءات تتكاتف فيما بينها للإحساس بالشتات والأفق المغلق والسكون.
وفي قصيدة ( هوامش الريح ) تأتي الريح مرتبطة بالحزن والبكاء , واحتفالات الحزن , ويبدو أن حضور ( الغبار ) ـ معادل التراب ـ في نظرية امبادوقليس بعناصرها الأربعة في النص الشعري ,يدل علي أن الشاعر يعي تماما ملامح هذه النظرية , التي تجلت بشكل واضح في ديوان عفيفي مطر( رباعية الفرح) , وديوانه ( ملامح من الوجه الامبادوقليسي ) ,فالريح في نص محمد خضر الغامدي وثيقة الصلة بتكوين ذهني خاص , يرتبط بالحركة وعدم الثبات , عند أفق واحد , وإنما تصبح هذه الذهنية المرتبطة بالريح منفتحة لتجارب عديدة تتراكم في لحظة واحدة , بينما يأتي الغبار معادلا للسكون والهدوء , يقول محمد خضر الغامدي :
يزعم الغبار أنه كان حاضرا
في الصف الأمامي
لا لشئ إلا للإثارة
بينما تدرك الريح
هذه السلوكيات الصبيانية
تلتم عصفورتها
وتواصل البكاء
فالغبار ـ معادل التراب ـ يشير إلي ثقل يهدهد من طبيعة الريح المجلوبة علي الحركة , والتي تحمل معها ذاكرة منفتحة علي تجارب تتراكم في لحظة واحدة , مشكلة أفقا خاصا للتشظي والبكاء .
والقارئ لقصيدة ( ركام ) , سوف يدرك مشروعية هذا التوجه في فهم دلالة الريح , ودورها في نقل الإدراك الذهني إلي تجارب تتراكم في لحظة واحدة :
ونمضي كالتفاصيل إلي جحيم الليل
أنت قلتَ ذات سهو بعيد
كيف لي أن أغلق الباب
وصوت الريح يطرق بإمعان
كتابة الذات ونسق المراقبة :
القارئ لديوان ( صندوق أقل من الضياع ) , لمحمد خضر الغامدي , يدرك بسهولة أن كتابة الذات جزء أساسي من شعرية الديوان , فالذات الإنسانية لها حضور واضح الملامح , وثمة جزئية مهمة تشير إلي هذا النسق , وهي جزئية عناوين القصائد , فالمتأمل لهذه العناوين يدرك أن معظم العناوين جاءت (نكرة ) , وهذه التنكير يشي من وجهة أولي بخصوصية الرصد , ومن جهة ثانية يشيرإلي الإعلان عن قيمة هذا الرصد , فالعناوين مثل ( زمن ـ حيرة ـ فقد ـ لهفة ـ رؤيا ـ ترادف ) تكشف كلها عن خصوصية , وعن قيمة هذه الرؤية , فتنكيرها جعلها مرتبطة بحدقة الراصد دون النظر إلي نموذج سابق مؤسس , فهي تؤسس تفردها من خلال هذا التنكير , يتجلي هذا حين يتوقف عند قصيدة ( رسم ):
كل دائرة رسمتها داخل الغرفة المغلقة
كانت تشبه الإطار العتيق
مسنونة جوانبها
محفورة للداخل
نبتسم من الوصايا المعلقة هناك
غير آبهين بمزاج سماء مستطيلة
ففي النص السابق ندرك أن العنوان ( رسم ) جاء مرتبطا برؤية خاصة , للقيود والقواعد الخاصة أو العامة , التي تشكل خطأ أو صراطا , للبشر المنضوين داخل مجتمع ما , وهذه القواعد تتمثل في ( الغرفة )و ( الدائرة ) , وعلي الجانب الآخر , يأتي رسم مغاير يتمثل في المستطيل الذي يشير إلي بوادر للخروج عن القواعد المؤسسة المعهودة , وربما يتجلي من خلال السطر الأول أن هذه القواعد ( الدوائر ) , من صنع الذات وليست لصيقة بالمجتمع , وهذا سوف يجعلنا نعيد تلقي ( السماء المستطيلة ) , بحيث تغدو نسقا خاصا يستعصي علي القواعد , ويهدم الدوائر المصنوعة حول الذات,والأسس التي تكونها لنفسها .
وهذا التوجه في كتابة الذات, والذي يشير إلي نسق متفرد من الوعي , قد يشدنا إلي التوقف عند بعض القصائد , التي جاءت مرتبطة بالزرقة, والزرقة في وعينا الإدراكي لا تنفصل عن البحر أو السماء , بحيث تغدو في قصائد الشاعر معادل غيب , ومعادل مجهول , كما في قصيدة ( زرقة ) , أو في قصيدة ( الحياة باعتبارها زرقاء ) , والزرقة في قصائد الشاعر ـ بالرغم من أن التعامل مع الألوان تعامل ذاتي محض ـ ترتبط بالدلالات المرصودة في إبداعات الشعراء السابقين , فالزرقة ـ لديه ـ مرتبطة بالمرأة النموذج , التي تشكل سلطة نموذج متخيل ( ليس بوسعنا تخيل الأزرق شريعة للريح ـ حتي في أصعب حالاته ) , والأزرق ـ أيضا ـ يأتي معادلا للصفاء , كما في قوله في القصيدة ذاتها :
إن السماء حين تكون زرقاء زرقاء
صافية
يعني أن حالة غبطة وفرح
تأتي من بعيد
يتجلي نسق كتابة الذات في قصائد عديدة مثل ( فقد ) , بحيث يغدو الزمن أو الإحساس بالزمن شاهدا علي حدوث تحولات داخلية , وبحيث يغدو المتن هامشا والهامش متنا , نظرا للنمو المعرفي , ووجود خلخلة لمنظومة القيم التي كانت مطروحة في لحظة ما , لتحل محلها قيم جديدة وارتباطات مغايرة.
وإذا كانت كتابة الذات تجلت في الجزء السابق من خلال الارتباط بالذات وقيمها , فإن هناك جانبا مهما في إبداع الشاعر , يرتبط بالواقع , ومراقبة الآخر, الذي لا ينفصل عن الأنا , ولا يكون للآخر إطار واضح , إلا في إطار جدلي مع الأنا , والديوان به جزء كاشف عن هذا المنحي , تحت عنوان ( حصيلة الواقع ) , والواقع في هذا الجزء لا يتجلى من خلال الاتكاء علي جزئيات كاشفة عن هذا الواقع , وإنما ـ أيضا ـ في استخدام لغة خاصة , تتعلق بالمعيش , وكأن هذه اللغة اليومية , قضت علي أي تعال نسقي خاص بلغة الشعر .
وربما تأتي جزئية أو فعل المراقبة واضحا في هذا الجزء , ولكن فعل المراقبة في ديوان الشاعر لا يأتي بشكل حيادي , وإنما يأتي من خلال وجود وجهة نظر أو وعي ذاتي خاص, يتجلي بشكل متوار وغير علني , ويأتي ـ أيضا ـ مرتبطا بطبيعة الحياة وتناقضاتها اللافتة للنظر ,ففي قصيد ( زمن ) , نجد أن الزمن يطل عنصرا فاعلا للإشارة إلي الحياة بتناقضاتها العديدة من خلال فعل المراقبة الراصد.
والقصيد ترصد وجهين متقابلين للفتاة, ففي الوجه الأول :
البنت الحلوة
تحمل حقيبة اليد الرمادية
الحقيبة نفسها التي تحملها
منذ أعوام
تمشي بهدوء
بجانب السيارات المركونة
عند متجر الأحذية
أراقبها أحيانا
حين يكون الفراغ
كتابا مفتوحا في وجهي
البنت الحلوة
تمشي لوحدها
في هذا الوجه , تلح مجموعة جزئيات كاشفة عن براح الطفولة , التي يكمن جمالها في الأمان , وفي انعتاقنا من الأسئلة الوجودية أو المعرفية التي تنمو معنا بفعل النمو المعرفي أو الزمني , ومن سماتها ـ أيضا ـ الانعتاق من نسق سلطوي يمارس دوره بالتدريج مع تبدل أشكاله وهيئاته .
إن النص الشعري بعد أن يقدم هذا الوجه , يطل الصوت السردي الفاعل في النص , لكي يشير إلي الوعي الخاص , ولكي يشير ـ أيضا- إلي أن السرد المراقِب أو المراقَب السابق لم يكن سردا حياديا , وإنما سرد مبني علي الوعي , وعلي وجهة النظر المتأملة لجمال اللقطة السابقة ببراحها الجميل , قبل أن ينتقل إلي اللقطة الثانية , التي تشير إلي تحول خاص :
البنت الحلوة
أصبحت الآن
تصطحب رجلا بدينا بشارب محايد
وكومة صغار
خلفها
يصرخون
ماما
ماما
البنت الحلوة
لم تعد تحمل حقيبتها الرمادية
ولم تعد تمر من هنا
ففي الجانب المقابل للصورة السابقة , نجد أن السمات التي كانت متاحة , حدث لها تحول , فبراح الطفولة الذي كان موجودا سابقا , والذي يكمن بهاؤه في وجودنا مكفولين من آخرين , وأمان الطفولة في السير منفردة بالنسبة للفتاة , لم يعد متاحا بفعل النمو العمري , وأصبحت هناك صور جديدة تشير إلي وجود إطار سلطوي خاص ممثل في الرجل البدين , وأصبحت الفتاة التي كانت مكفولة من آخرين في موضع جديد , مما أوجد زحزحة وخلخلة للصورة المرصودة السابقة .
إن وجهة النظر الخاصة بالوعي الذاتي في هذا النسق المراقب , تتجلي بشكل واضح في نهاية النص من خلال الاتكاء علي إغلاق أفق هذا الفعل , وكأنه يمثل لهذه الذات بؤرة من الضوء تخرجها من دائرتها المقيمة المطبقة .
إن هذا النسق الخاص بالمراقبة في شعر محمد خضر الغامدي , لا يأتي فقط في إطار مراقبة الآخر المباين عن الذات , وإنما قد يتشكل ـ أيضا ـ ونحس بوجوده في مراقبة الذات , من خلال الاتكاء علي ضمير الغائب للتعبير عن الأنا , وكأن الذات الشاعرة في ذلك السياق تحاول أن تتخلص من كل أواصر الترابط , وذلك بوضع الذات في بؤرة الرصد , دون أدني حضور للأنا التي قد تشكل مصادرة , ومن ثم تغيب الرؤية الموضوعية , فهذا التوحد ليس إلا سبيلا لمعاينة وضع الذات دون مواربة أو تحيز , كما في قصيدة ( صمت ) وقصيدة ( مطابقات ) :
مرة قال عن البحر
همس السماء
وقلادة التيه
مرة قال عن البحر
أغنية عاشق يحترق
وفوضي الطبيعة
مرة
وجدناه هناك
يتكئ علي الحائط الرخام
تتدلي قدماه عند أول الزبد
ولا يلفت انتباهه
غير صوت كلب
ينبح ينبح
باتجاه البحر
إن التعبير عن الذات من خلال استحضار الغياب تقنية لافته في شعرنا المعاصر , فالشاعر يحول ذاته إلي مادة أو ظاهرة من خلال تفردها للدراسة أو المعاينة ,ومن خلال تجرد شبه كامل , وربما كان المقطع الأول والثاني مقطعين عاديين , في إطار الكشف عن طبيعة التأمل الموضوعي , لوضع الذات , خاصة إذا أدركنا أن النص الشعري مرتبط برصد علاقة بين الأدنى والأعلى , بين المبذول والمنكسر وبين المتأبي والمترفع والمتعالي .
ولكن الرؤية الموضوعية الكاشفة تتجلي في المقطع الأخير , حتي لو كانت هذه الرؤية صادمة إلي حد بعيد , خاصة إذا استحضرنا مساحات ( التطابق ) التي وجدنا صداها ماثلا في العنوان , إن هذه الرؤية الموضوعية ترتبط بانكسار ما , في معاينة الغيب أو المجهول , أو قد ترتبط بانكسار ما في تواصل ما يرتبط بمقاربة سلطة نموذج أنثوي متخيل , كما فعل هنريك إبسن في مسرحية حورية من البحر ….
June 4, 2008