
مختارات من " تماما كما كنت. أظن " محمد خضر
أولاد نوح
ياترى
أي هذه الأعالي
سيغرقها الطوفان ؟
أي سفينة ستهرب بكل هؤلاء الشعراء
من براثن الماء ؟
يا ترى أي شيء سيطفو
على السطح المطاط
غير الأصدقاء و الكناغر وأجهزة التصنت !!
..
أي ريح ستبقى
بعد بلل الجبال
ومساومة الغيم
على الاحتباس ؟
أي امرأة ستضحك من قلبها
حين يكتمل السرد المأزوم
بالطحالب والبرك المتفرقة في أنحاء التضاريس ؟
كم شجرة تكفي لحياكة هذه النجاة ؟
قالت حيوانات نوح الأليفة
أيتها السماء
سنفترض العدالة
في النص
ونخون أشرعة كانت تجرنا نحو الهاوية
أي موسيقى مناسبة
سيختارها الغرق
لهذه الصرخات
المُنسابة مثل كمنجات
من سيحظى بعنوان الرحمة الشاسع
ويجتز العنفوان
كمحارب ضال !
يا ترى من هو القادم
في مشنقة الآخرين ؟
حيث كلنا لا أحد
أي محكمة ستجلد خيباتنا المروضة
مثل أبقار نوح الوحشية
هل ستغرق الطيور ؟
سقف غرفتي
سماء بالية تحمل أوهامها
في سلة الأفكار
تسقط قطعا صغيرةفي كل مرة ..
على الأرض ال ما عادت ترفض الزبد ..
أحيانا تكون القطعة اكبر ..
لذا لا غرابة ..
إن خدشت العابر ..ولا غرابة ..
إن حفرت أخدودا جيولوجيا صغيرا .. ومجوفا
لكن يكفيلصنع حلقة نقاش !!
هذه السماء التي صارت
تشبه جذور الفطر من قعورها
ليست لغزا و لا حكاية
إنه سقف غرفتي ..أيام المراهقة الجادة ..
تلك الغرفة التي كبرت الآن ..
لدرجة أني لا أرى سقفها
بالعين المجردة ..
وردة
كان اسمها وردة ...
تدلعها الجارات يا "وردية"
تمازحها صديقاتها ...
بالغازات و خرطوم الري ...
كي تنمو قليلا ...
ولأول مرة سمعت
بالمثل ...
(كل شخص له من اسمه نصيب)
صارت تتخيل أن لديها بتلات
و أوراق متدلية من جانبيها
و عالم من الكلوروفيل
كان حلمها الوحيد ..
أن تذبل في أعماق النهر !!
....................................
اليوم و بعد ثمانية أعوام
أسمع خبرا عن رحيل وردة ..
......................
......................
.....................
ماتت وردة !!
تاركة قطرة ندى ضخمة
في عيون
من قطفوها كثيرا !!
أغنية
خذوني معكم
أيها الذاهبون إلى اللاشيء
أيها الطريق المتهندم
بياقة أرجلنا
خذني معك
أيها الهامش الحائر
كي اخلق شجرا
في ظهيرة العمر
كي أظل جناحا مفردا
من كثرة الضياع
وسمني ما شئت
خذني معك أيها الرنين الأخاذ
كي تدق أعماق الذهب
في أحراش روحي
وأصنع قرطا للعيد
على إيقاع موسيقاك البراقة .
مذياع
صوت خفي في ظهيرة توزع المهام ..هذا يحدث بطريقة عشوائية ..ولأيام ينقطع الصوت
حتى نظن أننا لن نسمعه مرة أخرى .. نضحك حين نسمعه مجددًا ..ننظر إلى بعضنا في تخاطر واضح ..نضحك لبرهة فقط ..درجة التشويش والوضوح كانتا تثيرنا في كل ظهيرة ..خصوصا الظهيرة الممطرة ..حيث بدا لنا الصوت كأنه مطر صناعي كثيف ..تخيلنا ذلك وضحكنا مجددًا
عرفنا (موديل ) المذياع من نوعية البرامج ..عرفنا لماذا في الظهيرة دون غيرها .. عرفنا كذلك ..أنه يعلق للزينة في أوقات كثيرة ..على مدخل الصالون ...وعرفنا أن الضيوف حين يأتون ..يلمسونه كثيرا بأنامل خبيرة نوعا ما .. ويتذكرون شيئا غامضا ..يحركون الشارة إلى جهات
لذة
البراري التي يركض فيها الدفء
البراري الجرداء
دونما نتوءات أو تجاعيد
المكتنزة بينابيع متدفقة
بهضاب وتضاريس و أحافير
وآثار ..
البراري الناعمة الملساء
أضيع فيها بمحض إرادتي
واقطعها الآن
ظامئاً
.
.
.
وسعيداً .
مقهى الفيشاوي
جلستُ مرةً على أطرافِ المعنى
مرةً تجاوزت النظرية
وقلت عن فنجان القهوة
ثقافة دارجة
ليس إلا ..
جلس المقهى بجانبي
تحدثنا عن الزوار الغرباء
الذين يأتون لأول مرة
ويفهمون أن النرد
لعبة شعبية جداً
يفهمون بدهشة
أن الحظ هو كل شيء
بينما لا شأن للأصابع القديرة
ذات الخبرة والتجاعيد
برهانات كل جولة
جلس المقهى بجانبي
الجو حار فقط
لكنه المسؤول عن وجود قمصانِ خفيفةٍ
تشف عنها العباءات السوداء
بأذرعٍ عارية ورسمية
الذاكرة تؤلم مرة على الأقل
الذاكرة بعيدة
لكنها مؤذية أحياناً
مثل هذه الشمس البعيدة
والواضحة بنفس الوقت
تثاءبت الطاولات
واحدة تلو الأخرى
تثاءبت السجائر و الجراكات
وأنابيب الشيشة
والفيشاوي ذاتهُ
نامت المقاعد مبكراً
على صدر طاولة النرد
وغادرت السهرة ببيجامة بيضاء مستوردة
أغلق المقهى أبوابه في قميصي
نمتُ كثيراً ووحيداً
واستيقظت في كوب القهوة !
نظرية المسافة
الجهة البعيدة مستقرة في اللاوعي
على أنها بعيدة لأجل المسافة
الصباح كذلك ..أعني هذه الشمس
المصقولة على زجاج المتاجر
مع أنها أبعد من الجهة البعيدة
إلا أننا نراها على الأقل
متأكدين أنها صفراء (ساده)
..
امرأة
أذكر أنها علمتني أول درس عن المسافة
قالت إن الأرواح قريبة
مهما كان الشارع طويل
ولكني مع ذلك شعرت أنها بعيدة جدًا
خصوصًا أنها لم تخبرني شيئًا
عن غيابها الذي طال وصار مملاً هو الآخر
..
دعني أخبرك بشيء آخرعن الجهة البعيدة:
مررت بأكثر من تجربة في القيادة بسرعة هائلة
آخرها : كانت الأمطار مقياسي الوحيد
لحركة الكابح، ولحركة الحذر في آن واحد
..
نحن لا نعلم حقًا من تسقط الأمطار
صح ؟
لكن ندرك أنها ستسقط لعدة أسباب :
- الغيوم السوداء المتراكمة
- صراخ الحيوانات الأهليّة قبل المطر بنصف ساعة
- دعوات جدتي وأولادها البررة
- وأسباب أركولوجية أخرى
لو افترضنا أن المطر سقط بدون هذه العلل
يعني بطلان وجود مسافة أصلًا
مابين الأرض والسماء
وهذا لا يفكر به معظم الناس عادة
..
هناك مدن كبيرة جدًا
لا تعرف من دخل ومن خرج !
مدن لا تكترث بك
لأنك شخص جديد - دخل المطار وهو يدرك أنه سيرجع له يوماً -
يبحث عن شقة للإيجار..
..
هذه المدن
صحية أكثر
هي تعيرك كل شيء في أول يوم
ثم تأخذ منك كل شيء ولكن بطريقة لبقة
وبالتدريج تعرف أنك كنت ضمن منهج مدني بحت
تشعر بالأسى قليلاً وهو أيضا أسى صحي !
..
المسافة بين عمود الكهرباء وبين الإسفلت
قريبة نسبيًا
لكن الحقيقة تقول غير ذلك
هناك : سلك ممتد من شركة الكهرباء عبر ماتور كبير
إلى مدخل المدينة
السلك نفسه مصنوع من نحاس نشارة المطاط ومواد في الكيمياء
بينما علبة الإضاءة معلقة في عمود من الحديد الناعم وهو ملون ليكون أكثر أناقة
كل هذه مسافة
( المسافة كما قالت المرأة مسافة المادة )
....
....
....
صديقي يقول؛ المسافة حرة
يعني أننا نخضع للمسافة
هو يماثل بين الحرية كمقابل موضوعي للخضوع
هل نحن خاضعين ؟
حتى الأشجار لها وقت محدد
لو رجعت لكتاب جينيس للأرقام القياسية
ستجد أن أكبر شجرة
صغيرة بالنسبة لأطول طريق ..
..
لا يوجد شيء اسمه المسافة
لأن من يستشعرها هم العشاق
والعشق أمر نسبيّ وحالم جداً
...
ولأن أصحاب الرياضيات
قالوا المسافة لا تقاس في علم الفلك
وإلا لأصبحت هناك أرقام هائلة
صار لزاما أن ينزلوا قليلاً
ليقيسوا أشياء أخرى
لا تمت للفلك بصلة
....
المسافة وهم
بينك وبين النافذة قليل من الخطوات
لكن النافذة ليست مفتوحة دائمًا
....
بينك وبين آخر غرفة في العالم
أميال لا تعد ولا تحصى
ومع ذلك يراها برنامج (Google earth)
بسهولة فائقة !
....
المسافة تكبر كلما تحدثنا عن السيرة الذاتية
لأن الحياة بحد ذاتها مسافة محضة
فهي الأخرى مرتبطة بالموت والحرب والبحث عن بطاقة مفقودة مثلًا
الحياة هي التي صنعت المسافة في بداية الأمر
ثم اكتشفنا أن المسافة أصل
وأن هناك ديوان شعر اسمه (علاج المسافة)
وكتاب علمي اسمه قياس المسافة
أمممم أخبرك عن عبدالرحمن فوزي
هذا الرجل يمشي بعد الفجر
من باب المسجد ____ إلى بائع الفول
لم يشعر يوماً أن المسافة بعيدة
إلا عندما تغير مكان المسجد
وصار قريباً من بائع الفول
المسافة بحث طويل
لكنه سينتهي يوما ما
ذكريات الحارة
السواعد المفتولة مثل لحاء الشجر
تمتد إلى قيعان في الأمنيات
تصبح الأوقات مغروسة في اليقين
باعتبار أن الماء في الأسفل دومًا
لذا مضوا
كأنهم مرايا محدبة
لاهي في صميم الملامح
ولاهي كذبه المختبر
سجدوا للقناعة ودربوا سواعدهم
على أن تمتد تمتد -فقط -نحو الأسفل
الذي لا ندري بعد كل هذه السنين
لماذا لا يزال عاليا ً
تناص
ثمة ظاهرة في الصحراء :
القدرة على تغيير الأشكال
أن تصبح ثعلبا أو غرابا.. مثلا
أن تمتلئ بهواء ساخن
يصبح عطشا محضاً فيما بعد
لكن ثمة من يبقى كما هو
مثل صورة فوتوغرافية
تمامًا كما رأيتك
في الصبارة
التي كنت تسأل عن جمالها
برغم الشوك المؤلم ذو الشكل الجميل .
نافذة
من جهتين متعاكستين
تنبت الأفكار عادة
جهة تطل على الأكيد
على المتوقع وعلى أرواحنا الداخلية
وجهة لا ندركها حقا
وتماما كما قد يمر في أحلامنا
....
إلا عندما نفتح النافذة كاملة
.....هكذا
اكتشاف
الذي ترك كفه مائلة على خده لساعات
كان يجتاز خيالاته ليدخل في سرحان طويل وعشوائي
لماذا الحياة ثقيلة إلى هذا الحد ؟
لماذا لا يستطيع أحد ما أن يتكهن بم كان يفكر ؟
الذي ترك كفه ...
قضى ساعات أخرى .. هناك
دونما حزن أو فرح
أو ملامح محددة
إنه يجهز أفكاره الآن
لنوم عميق ...
سكن الليل
في حديقة عامة
ذات أضواء وأطفال وريح
جلست السيدة الجميلة تغني
كلما مر عابر
قذف وردة واختفى
بقيت هناك طوال الليل
لتلقي وردة للريح
واختفت
في أوراق الأشجار
—————•
كتب بلال رمضان
صدر عن دار "بدايات القرن " في القاهرة ، طبعة جديدة للمجموعة الشعرية "تمامًا كما كنت أظن"، وهى المجموعة الشعرية الرابعة للشاعر السعودى محمد خضر .
وجاءت المجموعة فى 115 صفحة من القطع المتوسط، وتضمنت المجموعة 27 قصيدة شعرية تتنوع ما بين الطول والقصر، ومنها: جناح يترمد، صورة طبق الأصل، عدالة، ذهول، وغيرها.
ويأتى صدور هذه المجموعة فى طبعة جديدة بالقاهرة بعد أن صدرت مطلع عام 2009 عن دار "التنوخى" بالمغرب.
يذكر أن لمحمد خضر الغامدى ثلاثة مجموعات شعرية، كان أولها بعنوان "مؤقتا تحت غيمة"، ثم "صندوق أقل من الضياع"، و"المشى بنصف سعادة".
ومن أجواء المجموعة:
"البلدة المنصهرة
فى فوضى الكهرباء والأسمنت
تغالب عشاقها القدامى
منحوها الحنين فى بطاقات السفر
ومنحتهم الأغانى الشعبية..
البلدة ذات المداخن العالية
مثل حرائق فى الأساطير
تكومت بالناس المطليين
بألوان الحياة الديناميكية
صارت البلدة تشبه ناسها
وها هى تغنى بألحان جميلة
سطّرها رجل مدفون الآن
فى أحشائها"
…………………
&اليوم السابع 2010
ديوان جديد للشاعر السعودي محمد خضر
صدر للشاعر السعودي محمد خضر مجموعة شعرية جديدة موسومة بـ (تماما كما كنت أظن) تقع المجموعة في 97 صفحة وصمم الغلاف الفنان السعودي حسين المحسن، واحتوت المجموعة على 27 نصاً شعريا، وتأتي هذه المجموعة امتدادا لتجربة الشاعر بعد ثلاث مجموعات شعرية أخرى هي: مؤقتا تحت غيمة 2002 وصندوق أقل من الضياع 2007 والمشي بنصف سعادة 2008، من أجواء المجموعة نقرأ:
الذي ترك كفه مائلة على خده لساعات
كان يجتاز خيالاته ليدخل في سرحان طويل وعشوائي
لماذا الحياة ثقيلة إلى هذا الحد؟
لماذا لا يستطيع أحد ما أن يتكهن بم كان يفكر؟
الذي ترك كفه...
قضى ساعات أخرى.. هناك
دونما حزن أو فرح
أو ملامح محددة
إنه يجهز أفكاره الآن
لنوم عميق...
……………………
& مجلة الكلمة اللندنية العدد 30 يونيو 2009