
محمد خضر
١
يقف قريباً ، في الوقت الذي كنتَ تظنهُ غائباً، أو في استراحة محارب
ليدهشك بأنه في صميم التجربة ، في الفواصل الدقيقة التي تصنع الجمال دون أن يلاحظها أحد ..
ليس بعيدّا لكنّ وجوده الشاسع يظهر فجأة فيما تراكم من البهاء
بإبتسامته المعهودة، و تعليقاته العابرة التي تكتشف لاحقّا أنها لم تكن عابرة تمامّا
وهذا شأن آخر قادم من خبرة روح عميقة ..
٢
من أين قد أبدأ الكتابة عن عبدالله السفر ، من إنسانه المتقد روحّا وجمالّا وضحكات ، من تعدد تجاربه في الإبداع ، من وجوده الذي طالما شعرنا به كسند في وجه ما يعترينا من خيبات..هذا ما يشفع لي أن أكتب ما يخطر في البال الواسع عنه فلم يكن بالنسبة لي تجربة قراءة فقط ،كان اكتشافا لصوت يكتب العالم وسِفر الصداقة بهدوء مختلف..
٣
قلّ أن تجد تجربة شعرية ذات أثر لم يتوقف عندها ، قارئّا ومحاورّا ومضيئاّ لما فيها ، وشاهدًا على تحولات الكتابة الجديدة .
في حضوره يبدو النّقد -الذي يعتني به كما لو أنه حفلة داخل روحه- شكلّا آخر للنصّ، ويبدو النصّ شكلاّ آخر من الأسئلة..
٤
كنت قد عرفت عبدالله السفر من خلال النصوص والقراءات التي تنشر في الصحف والمجلات الثقافية ، في أواخر التسعينات ، الكتابة بحساسيّة معاصرة وخاصة ، سواء في تجربته في القصة أو في الشعر ،أو في كتاباته النقديّة ، ومراجعاته التي تشبه قصيدة أخرى..
٥
حين انتقلتُ للعمل في منطقة الشرقيّة سنحت الفرصة الكريمة لِأن أعرفه عن قرب، ذلك القرب الذي فتح مساحةً للحوار والتأمل والصداقة ، وشفّ عن طريقته في النظر إلى العالم والإبداع وذلك الوعي العميق الذي يضئ ببساطة دون إدعاء أو مبالغة ..
٦
يقرأ السفر النصّ الشعريّ والإبداع بطريقته الخاصة، كأنما يكتب قصيدة ..
يقترب من النصّ بحساسيّة المبدع، بعيدًا عن صرامة المصطلح، وتعقيدات اللغة النقديّة، كما لا يبدو منشغلاً بإظهار أدواته، ولكن كقارئٍ مندهشٍ يصغي لروح النصّ، ولإشتغاله الفنيّ في آن واحد، لذا تأتي قراءته قريبة ،وإنسانية، ومضيئة..
٧
كان يقرأ الشعر باهتمام حقيقي، وحين أخبرهُ عن تجربة شعرية، أو اسم جديد، لم يطلع عليه من قبل، يبدي حرصًا على قراءته واكتشافه ، ويبدو فضولهُ وشغفهُ طازجّا، رغم خبرته الطويلة
وهذه إحدى الصفات التي تجعل حضوره الثقافي حيّا ومتجددّا ..
لا يتعامل السفر مع معرفته بوصفها مكتملة ومستقرة، لكنّه ظلّ ذلك المنفتح على الدهشة، وعلى الأصوات الجديدة التي منحها الكثير من القراءات والمحبة..
٨
في كل مرّة يقرأ إحدى مجموعاتي الشعريّة أجدني أمام قراءة تنصت للنصّ من الداخل ، يقرأ ويحتفي حين يعجبه نصّا ، لكنه في الوقت نفسه لايتردد أن يشير إليك مشافهة إلى مالم يعجبه ، وهذا ما منح رأيه قيمة ومصداقية داخل المشهد الثقافي..
٩
مما يميز السفر أنه لا يكتفي بمتابعة الأسماء المعروفة، بل احتفى وقرأ لكثير من التجارب الشابة والكتابات المختلفة ، لذلك بدا للكثيرين مرجعاً موثوقاً في قراءة النصوص، والتقاط التجارب الجميلة قبل شيوعها .
يؤمن السفر أنه ينبغي على الشاعر أن ينفرد بصوته الخاص، في رؤيته للعالم
وفي شكله، لذلك لاينحاز إلى شكل معاصر دون آخر، ولا يضع التجارب داخل قوالب جاهزة لكنّه يظلّ منحازاً إلى فرادة الصوت..
١٠
أذكر أنني كنت أجلس إلى جانبه أثناء إلقاء الشعراء لقصائدهم ، في مهرجان صنعاء للشعراء العرب عام 2006 ، وكان المشهد متنوعاً بأصوات شعرية مختلفة، وطرائق كتابة لا تتشابه، كان يتابع بإصغاء لافت ، لكنّ الأجمل أنه لم يكن يتلقى القصائد بوصفها عرضاً واحدًا متساويًا، بل يلتقط الفروق الدقيقة بينها، وحين يُعلن عن اسم شاعر بعينه، يلتفت إليّ أحياناً وكأنه ينبهني أن أصغي جيدًا لهذا الصوت، بينما في لحظات أخرى يكتفي بالصمت..
١١
تلتقي عبدالله السفر ، ليسألك عن جديدك، وعن نصّ بعينه، وعن نصوص الآخرين، ليس ذلك طارئاً ، ولم يعد مفاجئّا ، فهو امتداد لمتابعة هادئة ومحبة طويلة يراقب بها المشهد بصمت يقظ ، ويصغي لتحولاته..
وهو كما نعرفه مثقفاً وشاعراً وصديقاً ، قدّم تجارب في الكتابة المعاصرة، في القصة والشعر الجديد، وانخرط في مشاريع إبداعية متعددة ، جعلت حضوره يتجاوز النصّ إلى الفعل الثقافي، لذلك يبدو في المشهد السعودي المعاصر كطاقة كبيرة وفاعلة تركت أثرّا في القراءة النوعية والكتابة ..