العودة إلى مقالات

مقالة

حديقة صخرية على هيئة ملعب ..

حديقة صخرية على هيئة ملعب ..

حديقة صخرية على هيئة ملعب ..

كتبه : محمد خضر

ليس اللامألوف هو وحده ما يلفت في منظر خطوط الملعب حين تشاهدها من بعيد،بل هذا التجاور المدهش بين مكونات قد لاتمت لبعضها بصلة للوهلة الأولى.

هذه " الحديقة الصخرية التي جاءت على هيئة ملعب كرة قدم بالحجم الفعلي للملعب " التي قدمها الفنان أيمن يسري ضمن: Desert X العُلا 2024 . ليضعنا أمام حيرة مشهد نعرفه ولا نعرفه ..

اللعب بوصفهِ فعلًا اجتماعيًا مألوفًا ولكن في فضاء جديد ولا متوقع ، مما يفتح أفقًا نحو تجربة فكرية وتأملية بدءًا بعلاقة الإنسان بالمكان، والزمان، والأرض ووصولاً إلى كل ما تأخذنا إليه الذاكرة ..

ملعب على أرضية صخرية وعرة .. مكتمل بخطوطه المعروفة في لعبة كرة القدم ، بالمرمى ومثلث الزاوية ومنطقة الحارس ، هكذا يبدو الشكل طاهريًا وهو يمتد في إحدى السهول البركانية في العلا ، لكنه سرعان مايكشف عن هذا البعد الفلسفي مع كل خطوة على صخوره ..

إنها إعادة لقراءة مفاهيم مستقرة في وعينا العميق ، تجاه اللعب الذي يخطر في البال لأول وهلة ، ثم تجاه الطبيعة في جلالها المهيب وهي تحيط بالمكان ، وتجاه الممكن واللاممكن في الحياة ..

تتظافر كل هذه الجهات في انتاج المعنى، ولتشكل وعيًا مختلفًا بالزمن وبالمكان وبعلاقتنا البشرية بهما ..

وتكتشف أنها أجزاء لا تتجزأ تحاور بهدوء فكرة النمطي والمكرر والمتوقع في داخلنا ، بل وفكرة الفن حين يجعل من الطبيعة شريكًا يمكن قراءة حضورنا الإنساني من خلاله ،ويُمكننا من إعادة علاقتنا معها وفهمها على نحو أوسع ..

خاصة وأن الملعب الصخري يستقر في هذه التضاريس الوعرة وفي مكان يحمل غموضًا ساحرًا ومثيرًا ..ليس في النهار فقط كما فهمت لأول مرة ، بل وفي الليل المهيب

حيث تضيء الحجارة البيضاء اللامعة التي جُمعت من وادي العُلا والتي اصطفت جنبًا إلى جنب لتشكل حدود الملعب ..

الصخر هنا ليس خامةً فقط، بل ذاكرة جماعية،تحمل شكل الملعب ولكنها تُعيد تعريف وظيفته:من فضاء للعبة التنافسية إلى فضاءٍ للتأمل،ومن لحظةٍ انتصارات اللعبة إلى مساحةٍ للتفكير في معنى الوجود ذاته.

مساحة للعب لكنها على أرض من الصخور ، حبث اللعب مع المكان ، والذاكرة ، الذاكرة المادية للطبيعة والذاكرة الإنسانية للفعل الجماعي، وصولاً إلى ما يستثيره العمل فينا شيئًا فشيئًا من خلال صوت الرياح التي تحرك الشباك ، وصوت الخطوات الحذرة على الصخور ، والبطء في الحركة مقابل السرعة حين نلعب كرة القدم ..وتجمع الناس في اليوم التالي للجلوس في المكان وداخل حدود الملعب ..

هذا ما يفعله أيمن يسري وهو يذهب بالفن المعاصر في هذا العمل إلى عقد شراكة مع المكان والإنسان

واللعب وبين ماهو مؤقت وسريع التغير ، علاقة بين الثابت والأبدي وكيف يمكن أن يحمل هذا العمل بشكله المألوف في كل العالم إلى تجربة عميقة تستدعي أسئلة لوجودنا في أبعادهِ الإنسانية المتشابكة .